أحمد بن علي القلقشندي
472
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
هذه الطائفة مع ظهور الإسلام فيهم وإقرارهم بالشهادتين مخالفون لأحكامها في كثير من الأمور ، واقفون مع ياسة جنكز خان التي قرّرها لهم وقوف غيرهم من أتباعه ، مع مؤاخذة بعضهم بعضا أشدّ المؤاخذة في الكذب والزّنا ونبذ المواثيق والعهود . وقد جرت عادة ملوكهم أنهم إذا غضبوا على أحد من أتباعهم ، أخذوا ماله وباعوا أولاده ، وأن في سلطان هذه المملكة طوائف الجركس والرّوس والآص ، وهم أهل مدن عامرة آهلة ، وجبال مشجرة مثمرة ، ينبت عندهم الزرع ، ويدرّ لهم الضّرع ، وتجري الأنهار ، وتجنى الثمار ، وهم وإن كان لهم ملوك فهم ( 1 ) كالرعايا ، فإن داروه بالطاعة والتّحف كفّ عنهم ، وإلا شنّ عليهم الغارات ، وضايقهم ، وحاصرهم ، وقتل رجالهم ، وسبى نساءهم ، وذراريّهم ، وجلب رقيقهم إلى أقطار الأرض . ثم قال : والقسطنطينيّة مجاورة لأطراف ملك القبجاق وملك الروم معه في كلب ( 2 ) دائم ، وافتراءات متعدّدة في كل وقت ، وملك الروم ، على توقد جمرته ، وكثرة حماته وأنصاره ، يخاف غارته وشرّه ، ويتقرّب إليه ، ويداريه ، ويدافع معه الأيام من وقت إلى وقت منذ تديّر ( 3 ) ملوك بني جنكز خان هذه المملكة . وما تخلو بينهم مدّة عن تجديد عهود ومسالمة إلى مدة تؤجل بينهم ، وأشياء تحمل من جهة ملك الروم إلى ملكهم . الجملة الثامنة في مقدار عسكر هذه المملكة ، وترتيبها ، ومقادير الأرزاق الجارية عليهم ، وزيّهم في اللبس أما مقدار عسكرها ، فقد ذكر في « مسالك الأبصار » عن الشيخ علاء الدين ابن النّعمان أن عساكرها كثيرة تفوت الحصر ، لا يعلم لها مقدار إلا أنه خرج مرة عليه وعلى القان الكبير اسنبغا سلطان ما وراء النهر خارج ، فجرّد إليه من كل
--> ( 1 ) لعله : فهم لملك مصر كالرعايا . ( 2 ) يقال : تكالب القوم أي تجاهروا بالعداوة ( وسيط : 794 ) . ( 3 ) أي اتخذوها دارا لهم .